فخر الدين الرازي

24

المطالب العالية من العلم الإلهي

وأيضا : فليس إيصال الضرر إلى أحدهما ، لأجل حصول النفع للثاني ، أولى من العكس . فثبت بهذا البيان : أنه لا يجوز أن يقال : التكليف إنما هو حسن لوجه حكمة ومصلحة . وأما القسم الثاني : وهو أنه حسن ذلك من اللّه تعالى من غير فائدة ولا حكمة . فهذا أيضا باطل لأنا في هذا القسم إنما نتكلم على تقدير أن يكون القول بتحسين العقل وتقبيحه معتبرا . ومعلوم أن على هذا التقدير فإلحاق المضار والآلام والمتاعب بالغير من غير حكمة وفائدة قبيح في العقل . فكان هذا القسم باطلا . فيثبت أن على تقدير أن يكون تحسين العقل وتقبيحه معتبرا . لو حصل التكليف . لحصل ، إما لفائدة أو لا لفائدة ، وثبت فساد القسمين ، فوجب أن يكون القول بالتكليف باطلا ، على تقدير أن يكون تحسين العقل وتقبيحه معتبرا . الحجة الثانية في بيان أنه مع القول بتحسين العقل وتقبيحه ، وجب أن يكون التكليف قبيحا : هو أن نقول : إما أن يقال : إن للّه تعالى في هذه التكاليف فائدة ومنفعة [ وإما أن يقال : إنه منزه عن جميع المنافع والفوائد العائدة إليه . وإنما كلفه بهذه « 1 » ] الأفعال لأجل الفوائد العائدة إلى ذلك العبد ، أو لأجل الفوائد العائدة إلى ذلك الثالث . أو لا لشيء من الفوائد . والأقسام الأربعة باطلة . أما القسم الأول : وهو أن يكون المقصود من هذه التكاليف : عود الفوائد إلى اللّه تعالى ، فهو باطل على ما بيناه في الوجه الأول . وأما القسم الثاني : وهو أن يكون المقتضى لحسن هذه التكاليف عود المنافع والمصالح إلى العباد ، فهذا باطل ، لأن معنى إيجابها : ترتب العقاب على تركها ، فيصير المعنى كأن اللّه تعالى يقول للعبد : أيها العبد حصل لنفسك المصلحة الفلانية ، وإن لم تحصلها لنفسك ، فأنا أعذيك أبد الآباد . فيقول العبد : يا إله العالمين : هذا الحكم متناقض . لأنه إذا كان [ لا مقصود لك من

--> ( 1 ) سقط ( ت ) .